أحمد مصطفى المراغي
57
تفسير المراغي
خوفه من فرعون ، لأنه إنما خرج من ديار مصر - فرارا منه وهربا من سطوته ، فيرسل معه أخاه هارون وزيرا فأجابه إلى ما طلب ، وأرسله هو وهارون إلى فرعون وملئه ومعهما المعجزات الباهرة ، والأدلة الساطعة ، فلما عاينوا ذلك وأيقنوا صدقه لجئوا إلى العناد والمكابرة فقالوا ما هذا إلا سحر مفتعل ، وما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين ، فقال لهم موسى : ربى أعلم بالمهتدي منا ومنكم ، وسيفصل بيني وبينكم ، ويجعل النصر والتأييد للصالحين من عباده . الإيضاح ( قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ . وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) أي قال يا رب إني قتلت من قوم فرعون نفسا ، فأخاف إن أتيتهم ولم أبن عن نفسي بحجة أن يقتلوني ، لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام ، وأخي هارون هو أفصح منى لسانا ، وأحسن بيانا ، فأرسله معي عونا يلخّص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ، ويجيب عن الشبهات ، ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين ، وإني أخاف أن يكذبوني ولساني لا يطاوعني حين المحاجة . فأجابه سبحانه إلى ما طلب . ( قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ) أي سنقويك ونعينك بأخيك ، ونجعل لكما تسلطا عظيما وغلبة على عدوكما ، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلب . ( بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ) أي أنتما ومن تبعكما الغالبون بحججنا وسلطاننا الذي يجعله لكما . وفي هذا دليل على أن فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به ، لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين أنفسهم في سبيل اللّه .