أحمد مصطفى المراغي
58
تفسير المراغي
ثم أبان ما صدر من فرعون عقب مجىء موسى إليه فقال : ( فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ) أي فحين جاء موسى بالحجج البالغة الدالة على صدق رسالته - فرعون وملأه ، قالوا ما هذا إلا سحر افتريته من عندك ، وانتحلته كذبا وبهتانا ، وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه من عبادة إله واحد في أسلافنا وآبائنا الذين مضوا من قبلنا . وهذا تحكيم لعادة التقليد التي أضلّت كثيرا من الناس ، على أنهم قد كذبوا وافتروا ، فإنهم سمعوا بذلك في عهد يوسف عليه السلام ( وما بالعهد من قدم ) فقد قال لهم الذي آمن : « يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ - إلى أن قال - وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ » . ولما كذبوه كفرا وعنادا وهم الكاذبون رد عليهم بما أشار إليه بقوله : ( وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ) أي وقال موسى مجيبا فرعون وملأه : ربى أعلم بالمحق منا يا فرعون من المبطل ، ومن الذي جاء بالحق الذي يوصّل إلى سبيل الرشاد ، ومن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة ؟ . وفي هذا الأسلوب من أدب الخطاب في الحجاج والمناظرة ما لا يخفى ، فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال كما لم ينسبه إلى نفسه بل ردده بينهما وهو يعلم أنه لأيهما ، وعلى هذا النحو جاء الخطاب من النبي صلى اللّه عليه وسلم للمشركين بقوله : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . ثم علل هذا بأن سنة اللّه قد جرت بأن المخذول هو الكاذب فقال : ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) أي إنه لا ينجح الكافرون ولا يدركون طلبتهم ، وفي هذا إيماء إلى أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة ، بل يحصلون على ضد ذلك ، وهذا غاية الزجر والتهديد لكفهم عن العناد .