أحمد مصطفى المراغي

123

تفسير المراغي

الإيضاح بعد أن ذكر افتتان المؤمنين بأذى الكفار ، وأرشد إلى أن من قبلهم من الأمم قد فتنوا ، أعقبه بتفصيل من فتنوا من الأنبياء : كنوح وإبراهيم وهود ولوط وشعيب تسلية له صلى اللّه عليه وسلم ، فقد ابتلوا بما أصابهم من المكاره ، وصبروا عليها ، فليكن ذلك قدوة للمؤمنين . وقد بدأ بذكر أبى الأنبياء نوح عليه السلام فذكر أنه مكث في قومه ألف سنة يدعوهم إلى اللّه ليلا ونهارا سرا وجهرا ، وما زادهم ذلك إلا فرارا من الحق ، وإعراضا عنه ، وتكذيبا له ، وما آمن معه إلا قليل منهم ، فأنزل اللّه عليهم الطوفان فأهلكهم وهم مستمرون في الظلم ، لم يتأثروا بما سمعوا من نوح من الآيات ، ولم يرعووا عما هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة ، فأنجى اللّه نوحا ومن معه ممن ركب السفينة من أتباعه ، وكانت تلك السفينة عبرة وموعظة أمدا طويلا مدة بقائها على جبل الجودي ، ينظر إليها الناس ، وترشدهم إلى نعمته على خلقه بالنجاة من الطوفان ، كما قال : « إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ . لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » وقد تقدم تفصيل هذا في سورة هود . وجاء النظم هكذا : إلا خمسين عاما ، ولم يقل : تسعمائة سنة وخمسين سنة ، لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني فقد يطلق على ما يقرب منه ، إلى أن ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض ، وجئ بالمميّز أولا بالسنة ، ثم بالعام دفعا للتكرار ، ولأن العرب تعبر عن الخصب بالعام ، وعن الجدب بالسنة ، ونوح لما استراح بقي في زمن حسن . العبرة من هذا القصص لا يحزننك أيها الرسول ما تلقى من هؤلاء المشركين أنت وأصحابك من الأذى ، فإني وإن أمليت لهم وأطلت إملاءهم ، فإن مصيرهم إلى البوار ، ومصيرك ومصير