أحمد مصطفى المراغي

99

تفسير المراغي

وبعد أن أمر رسوله بأمر المؤمنين بغضّ أبصارهم أمره بأن يأمر المؤمنات بذلك . ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ) فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من عورات الرجال والنساء ( ما بين السرة والركبة ) وإذا نظرن إلى ما عدا ذلك بشهوة حرم ، وبدونها لا يحرم ، ولكن غض البصر عن الأجانب أولى بهن وأجمل ؛ لما روى أبو داود والترمذي عن أم سلمة « أنها كانت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه بعد ما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم احتجبا منه ، فقلت : يا رسول اللّه أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أو عمياوان أنتما ؟ أو لستما تبصرانه ؟ » . ( وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) عما لا يحل لهن من الزنا والسّحاق ويسترنها حتى لا يراها أحد . ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها ) أي ولا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه مما جرت العادة بظهوره كالخاتم والكحل والخضاب ، فلا يؤاخذن إلا في إبداء ما خفى منها كالسوار والخلخال والدّملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط ، لأن هذه الزينة واقعة في مواضع من الجسد ( وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن ) لا يحل النظر إليها إلا لمن استثنى في الآية بعد . ولما نهى عن إبداء الزينة أرشد إلى إخفاء بعض مواضعها فقال : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ) أي وليلقين خمرهن على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن حتى لا يرى منها شئ ، وكان النساء يغطين رؤوسهن بالخمر ويسدلها من وراء الظهر فتبدو نحورهن وبعض صدورهن كعادة الجاهلية فنهين عن ذلك ، قالت عائشة : رحم اللّه النساء المهاجرات الأول لما أنزل اللّه ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ) شققن مروطهن فاختمرن بها .