أحمد مصطفى المراغي

23

تفسير المراغي

ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم : ( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) أي ما حياة إلا هذه حياة في الدنيا ، تموت الأحياء منا فلا تحيا ، ويحدث آخرون منا ويولدون ، وما نحن مبعوثين بعد الموت ، إنما مثلنا مثل الزرع يحصد هذا وينبت ذاك والخلاصة - إنه يموت منا من هو موجود ، وينشأ آخرون بعدهم . وبعد أن كان أمرهم معه مقصورا على الاستبعاد فحسب ، جاهروا بتكذيبه فيما يدعى فقالوا : ( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ) أي ما هود إلا رجل يختلق الكذب على اللّه ، فتارة يقول : مالكم من إله غير اللّه خالق السماوات والأرض وأخرى يقول : إنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما إنكم مخرجون ، وما نحن بمصدقيه فيما يدّعى ويزعم من التوحيد والبعث . ولما يئس هود من إيمانهم بعد ذكر هذه المقالة « وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ » فزع إلى ربه ( قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ) أي قال بعد أن يئس من إيمانهم وقد سلك في دعوتهم كل مسلك ، متضرعا إلى ربه : رب انصرني عليهم وانتقم لي منهم بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحق وإصرارهم على الباطل . فأجابه ربه إلى ما سأل . ( قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ) أي قال تعالى مجيبا دعاءه : ليصيرنّ مكذبوك بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا ، وستحل بهم نقمتنا ، ولا ينفعهم الندم حينئذ . ثم أخبر أنه أنجز وعيده فيهم فقال : ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً ) أي فسلطنا عليهم نقمتنا فأخذهم العذاب الذي لا قبل لهم به ، وقد كانوا لمثله مستحقين ، بسبب كفرهم وتكذيبهم برسوله ، فجعلناهم كغثاء السيل ، لاغناء فيهم ، ولا فائدة ترجى منهم .