أحمد مصطفى المراغي
150
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن تكلم أوّلا في التوحيد ، ثم في الرد على عبدة الأوثان - أردف ذلك الرد على الطاعنين في نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد قسموا مطاعنهم قسمين : مطاعن في القرآن ، ومطاعن فيمن نزل عليه القرآن . روى أن هذه الآيات نزلت في النضر بن الحرث إذ هو الذي قال هذه المقالة ، وعنى بالقوم الآخرين عدّاسا مولى حويطب بن عبد العزّى ، ويسارا مولى العلاء بن الحضرمي ، وأبا فكيهة الرومي ، وكانوا من أهل الكتاب يقرءون التوراة ويحدّثون أحاديث منها ، فأسلموا ، وكان النبي يتعهدهم ويختلف إليهم ، فمن ثم قال النضر ما قال . الإيضاح ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) أي وقال الكافرون : إن هذا القرآن ليس من عند اللّه ، بل اختلقه محمد ، وأعانه على ذلك جماعة من أهل الكتاب ممن أسلموا ، وكان يتعهدهم ويختلف إليهم : « تقدم ذكر أسمائهم » فيلقون إليه أخبار الأمم الغابرة ، وهو يصوغها بلغته وأسلوبه الخاص . فرد اللّه عليهم مقالهم فقال : ( فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ) أي فقد وضعوا الأشياء في غير مواضعها ، وكذبوا على ربهم ، إذ جعلوا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - إفكا مفترى من قبل البشر ، وكيف يتقوّلون ذلك على الرسول وقد تحداهم أن يأتوا بمثله ، وهم ذوو اللسن والفصاحة والغاية في البلاغة ، فعجزوا أن يأتوا بمثله ، ولو كان ذلك في مكنتهم ما ادّخروا وسعا في معارضته ، وقد ركبوا الصعب والذلول ليدحضوا حجته ، ويبطلوا دعوته ، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ولو كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قد استعان في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا هم بغيرهم ، فما مثله في اللغة إلا مثلهم فلما