أحمد مصطفى المراغي
151
تفسير المراغي
لم يفعلوا علم أنه قد بلغ الغاية التي لا تجارى وانتهى إلى حد الإعجاز - إلى أنه اشتمل على الحكم والأحكام التي فيها سعادة البشر في معاشهم ومعادهم ، كما اشتمل على أخبار من أمور الغيب التي لا تصل إليها مدارك البشر ولا عقولهم . وبعد أن حكى عنهم قولهم في الافتراء بإعانة قوم آخرين عليه - حكى عنهم طريق تلك الإعانة . ( وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) أي وقال المشركون الذين قالوا إن هذا إلا إفك مفترى : أي ما هذا إلا أحاديث الأولين الذين كانوا يسطرونها في كتبهم من نحو أحاديث رستم وإسفنديار - اكتتبها من اليهود فهي تستنسخ منهم وتقرأ عليه ، ليحفظها غدوة وعشيا : أي قبل انتشار الناس وحين يأتون إلى مساكنهم ، وقد عنوا بذلك أنها تملى عليه خفية لئلا يقف الناس على حقيقة الحال ، وهذه جرأة عظيمة منهم ، قاتلهم اللّه أنى يؤفكون ، وقد يكون مرادهم أنها تملى عليه دائما . ثم أمره اللّه تعالى بإجابتهم عما قالوا بقوله : ( قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي قل لهم ردّا وتحقيقا للحق : ليس ذلك كما تزعمون ، بل هو أمر سماوي أنزله الذي لا يعزب عن علمه شئ وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع لا تحوم حوله الأفكار ، ومن ثم أعجزكم بفصاحته وبلاغته ، كما أخبركم فيه بمغيّبات مستقبلة ، وأمور مكنونة ، لا يوقف عليها إلا بتوفيق العليم الخبير . وقد وصف سبحانه نفسه بإحاطة علمه بجميع المعلومات الخفية ، فالجلية المعلومة من باب أولى ، إيذانا بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر . ( إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) أي إنكم استوجبتم العذاب بمكايدتكم لرسوله ، لكنه لم يعجله لكم رحمة بكم ، رجاء توبتكم وغفران ذنوبكم ، ولولا ذلك لصبّ عليكم العذاب صبّا .