أحمد مصطفى المراغي
141
تفسير المراغي
وفي هذا إيماء إلى أن الاستئذان وإن كان لعذر قوى - فيه بعض الملامة لما فيه من تقديم شؤون الدنيا على أمور الآخرة ، كما أن فيه احتفالا برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم إذ جعل الاستئذان للذهاب عنه ذنبا محتاجا إلى الاستغفار ، فضلا عن الذهاب بلا إذن ، ورتب الإذن على الاستئذان لبعض شأنهم لا على الاستئذان لأي أمر مهما كان ، مهمّا كان أو غير مهمّ ، على أنه علق الإذن بالمشيئة . وبعد أن ظهر في هذه السورة شرف الرسول ، ولا سيما في هذه الآية التي بهرت العقول - أردف هذا ما يؤكده فقال : ( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) أي لا تقيسوا أيها المؤمنون دعاءه عليه السلام إياكم بدعاء بعضكم بعضا في المساهلة والرجوع من مجلسه بغير استئذان ، فإن هذا محرم عليكم . ثم توعد المنصرفين خفية بغير استئذان فقال : ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً ) أي قد يعلم اللّه الذين يخرجون متسللين من المسجد في الخطبة واحدا بعد واحد من غير استئذان خفية مستترين بشيء ، وإن عملهم هذا إن خفى على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يخفى على من يعلم السر والنجوى ومن لا يعزب عنه مثقال ذرة ، ويعلم الدواعي التي تحملهم على ذلك ، ولديه الجزاء على ما يفعلون . روى أبو داود أنه كان من المنافقين من يثقل عليه استماع الخطبة والجلوس في المسجد فإذا استأذن أحد من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به فأنزل اللّه الآية . ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) أي فليتق اللّه من يفعلون ذلك منكم ، فينصرفون عن رسول اللّه بغير إذنه ، أن تصيبهم محنة وبلاء في الدنيا أو يصيبهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة ، بأن يطبع اللّه على قلوبهم ، فيتمادوا في العصيان ومخالفة أمر الرسول ، فيدخلهم النار وبئس القرار .