أحمد مصطفى المراغي

113

تفسير المراغي

وبمن جاء به ويظنون أنها تنفعهم عند اللّه وتنجيهم من عذابه ، ثم تخيب في العاقبة آمالهم ويلقون خلاف ما قدّروا - بالسراب يراه من اشتد به العطش فيحسبه ماء فيطلبه ويظن أنه قد حصل على ما يبغى ، حتى إذا جاءه لم يجد شيئا - هكذا حال الكافرين يحسبون أعمالهم نافعة منجيّة لهم من بأس اللّه ، حتى إذا جاءهم العذاب يوم القيامة لم تنفعهم ولم تغنهم من عقابه إلا كما ينتفع بالسراب من اشتد ظمؤه ، واحتاج إلى ما به يروى غلّته . ثم بين شديد عقابه بقوله : ( وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ ) أي ووجد عقاب اللّه الذي توعد به الكافرين أمامه ، وتحوّل ما كان يظنه نفعا عظيما إلى ضرر محقق وتجيئه الزبانية تعتله وتسوقه إلى جهنم وتسقيه الحمم والغساق . ونحو الآية قوله : « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » . ( وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) لا يشغله حساب عبد عن حساب آخر . وخلاصة ما سلف - إن الخيبة والخسران في الآخرة لمن عملوا صالح الأعمال في الدنيا كصلة الأرحام ، وإغاثة الملهوفين ، وقرى الأضياف ونحو ذلك . وظنوا أنها تنجيهم من عذاب ربهم ، وهم مع ذلك جاحدو وحدانيته مكذبون لرسله ، فما مثلهم إلا مثل من اشتد أوامه ورأى السراب فخاله ماء وظن أنه قد وجد ضالته فسعى إليه ، حتى إذا جاءه لم يجد شيئا ورجع بخفّي حنين . هذه حالهم في الآخرة ، أما حالهم في الدنيا فكما قال : ( أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ) أي ومثل أعمالهم التي عملت على غير هدى مثل ظلمات مترادفة في بحر عميق ماؤه ، بعيد غوره ، يغطّيه موج من فوقه موج من فوقه سحاب - فالظلمات هي أعمال الكافرين ، والبحر اللجىّ قلوبهم التي غمرها الجهل ، وتغشتها الحيرة والضلالة ، فلا تعقل ما في السكون من