أحمد مصطفى المراغي
6
تفسير المراغي
وبعد أن ذكر ما يظهرونه حين الاستماع من اللهو واللعب ، ذكر ما يخفونه بقوله ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي وأسرّ هؤلاء الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلتهم معرضون - التناجي بينهم وأخفوه عن سواهم . ثم بين ما تناجوا به فقال : ( هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ؟ ) أي قالوا في تناجيهم متعجّبين من دعواه النبوة ، هل هذا الذي آتاكم بهذا الذكر إلا بشر مثلكم في خلقه وأخلاقه ، يأكل كما تأكلون ويشرب كما تشربون ، ويموت كما تموتون ، فكيف يختص دونكم بالرسالة ؟ ( أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ؟ ) أي ما هذا الذي أتى به مما لا تقدرون عليه إلا سحر لا حقيقة له ، فكيف تعلمون ذلك ثم تذعنون له وتتبعونه وتجيبون دعوته ؟ . وخلاصة ذلك - إنهم طعنوا في نبوته بأمرين : ( 1 ) إن الرسول لا يكون إلا ملكا . ( 2 ) إن الذي يظهر على يديه من قبيل السحر . وإنما أسروا ذلك ، لأنه كالتشاور بينهم والتحاور لطلب الطريق الموصل إلى هدم دينه ، وقد جرت عادة المتشاورين في خطب عظيم ألا يشركوا أعداءهم في مشورتهم ، بل يجتهدون في طىّ سرهم عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا كما جاء في حكمهم : « استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان » . فأجابهم عليه السلام عما قالوا : ( قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أي قال لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فىّ ، فإن ربكم عليم بذلك وإنه معاقبكم عليه ، وهو السميع لجميع المسموعات ، العليم بجميع المعلومات . وفي هذا من الوعيد والتهديد ما لا يخفى . وإنما آثر كلمة ( القول ) التي تعم السر والجهر دون كلمة ( السر ) التي تقدمت