أحمد مصطفى المراغي

7

تفسير المراغي

في الكلام - للإيذان بأن علمه تعالى بالأمرين على وتيرة واحدة ، لا تفاوت فيه بالجلاء والخفاء كما في علوم العباد . وخلاصة ذلك - إنه يعلم هذا الضرب من الكلام وأعلى منه وأدنى منه ، وفي هذا مبالغة في علمه تعالى بكل ما يمكن أن يسمع أو يعلم . ثم بين سبحانه أنهم اقتسموا القول في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفيما يقوله فقال : ( بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ، بَلِ افْتَراهُ ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ ) أي إنهم لم يقتصروا على قولهم السابق ( هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) وعلى قولهم فيما ظهر على يديه أنه سحر - بل قال بعضهم : أخلاط أحلام قد رآها في النوم ، وقال آخرون : بل اختلقه من تلقاء نفسه ونسبه إلى اللّه ، وقال قوم : بل هو شاعر وما أتى به شعر يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها . وخلاصة ذلك - إنهم ما صدّقوا بحكمة هذا القرآن ، ولا أقروا أنه من عند اللّه ، ولا أنه وحي أوحاه اللّه إليه ، بل قالوا هذه المقالات . وهذا الاضطراب والتردد في القول دأب المحجوج المغلوب على أمره ، لا يتردد إلا بين باطل وأبطل منه ، ويتذبذب بين فاسد وأفسد منه . وقد ذكرت هذه المقالات على هذا الوضع ، إشارة إلى ترقيها في الفساد ، فإن كونها سحرا أقرب من كونها أضغاث أحلام ، فقد يقال : « إن من البيان لسحرا » ، بخلاف تخاليط الكلام التي لا تضبط ، ولا شبه لها بهذا النظم البديع ، وادّعاء كونها مفتريات أبعد وأبعد ، لأنه عليه الصلاة والسلام قد شهر بالأمانة والصدق - إلى أنهم أعرف الناس بالفرق بين المنظوم والمنثور ، وبين ما يساق له الشعر ، وما سيق له هذا الكلام ، إلى أنهم يعلمون من مخالطته مدى أربعين سنة أنه لا يتسهل له الشعر وإن أراده . ولما قد حوا في القرآن طلبوا آية أخرى غيره فقالوا : ( فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ) أي إن كان صادقا في أن اللّه بعثه رسولا إلينا ، وأن الذي يتلوه وحي أوحاه اللّه إليه - فليأتنا بحجة تدل على ما يقول ويدّعى كما جاء