أحمد مصطفى المراغي

99

تفسير المراغي

( فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) أي فلما خرج موسى نحوها وجد نارا بيضاء تتقد كأضوإ ما يكون في شجرة خضراء ، فلا ضوء النار يغير خضرتها ، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار - وهناك نودي يا موسى ، قال من المتكلم ؟ قال إني أنا ربك . ثم أمره أن يخلع نعليه احتراما للبقعة المقدسة فقال : ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) إذ أن الحفوة أقرب إلى التواضع وحسن الأدب ، ومن ثم طاف السلف الصالح بالكعبة حافين . ثم بين سبب الأمر بذلك بقوله : ( إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ) أي لأنك بالوادي المطهّر المسمى بطوى ، فاخلعها ليحصل للقدمين بركته . ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ) أي وأنا اصطفيتك من قومك بالنبوة والرسالة ، فعليك أن تسمع لما أوحيه إليك . ونحو الآية قوله : « إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي » . وقصارى ذلك - لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له ، واجعل كل خاطرك مصروفا إليه ، وقد قالوا : إن من أدب الاستماع سكون الجوارح والأعضاء ، وغض البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور القلب ، والعزم على العمل . وقد بين سبحانه أهم ما يوحى إليه بقوله : ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ) أي إن أول الواجب على المكلف أن يعلم أنه لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له . ( فَاعْبُدْنِي ) أي وإذ كنت أنا الإله حقا ولا معبود سواي ، فخصنى بالعبادة والتذلل والانقياد في جميع ما كلفتك به . ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) أي وأدّ الصلاة على الوجه الذي أمرتك به مقوّمة الأركان مستوفاة الشرائط ، لتذكرنى فيها وتدعوني دعاء خالصا لا يشوبه إشراك ولا توجه إلى سواي .