أحمد مصطفى المراغي

100

تفسير المراغي

وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات ، لما لها من الفضل على سواها ، إذ فيها ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذلك ، ومن ثم تنهى عن الفحشاء والمنكر أخرج الترمذي وابن ماجة في جماعة آخرين من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن اللّه قال : أقم الصلاة لذكرى » ثم بين السبب في وجوب العبادة وإقامة الصلاة فقال : ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها ) أي إن الساعة آتية لا محالة ، وإني أكاد أخفيها من نفسي ، فكيف يعلمها غيرى من الخلق ، وقد جاء هذا على سنن العرب في تخاطبهم يقول أحدهم إذا بالغ في كتمان السر : كتمت سرى من نفسي ، يريد أنه أخفاه غاية الإخفاء . وفائدة إخفائها التهويل والتخويف ، فإنهم إن لم يعلموا متى تقوم الساعة يكونوا منها على حذر ، ولمثل تلك الفائدة أخفى اللّه وقت الموت ، لأن المرء إذا علم وقت موته وانقضاء أجله اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب ذلك الحين فيتوب ويصلح عمله ، وقد وعد اللّه بقبول توبته ، وهذا يكون كالإغراء على المعصية ، لكنه إن لم يعلم حين منيّته كان منها على حذر ، ولا يزال على قدم الخوف والوجل ، فيترك المعاصي ويتوب منها في كل حين خوف معاجلة الموت . ( لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ) أي إن الساعة آتية لا محالة ، ليجزى كل عامل بعمله كما قال : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » وقال : « إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » * . ثم خاطب سبحانه موسى محذّرا له فقال : ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ) أي فلا يردنّك يا موسى عن التأهب للساعة من لا يقرّ بقيامها ولا يصدّق بالبعث ، ولا يرجو ثوابا ، ولا يخاف عقابا ، بل يركب رأسه ويخالف أمر ربه ونهيه ، فإنك إن فعلت ذلك وقعت