أحمد مصطفى المراغي
89
تفسير المراغي
وكان هرم بن حيّان يقول : ما أقبل عبد بقلبه إلى اللّه إلا أقبل اللّه بقلوب المؤمنين إليه ، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم . وخلاصة ذلك - سيجعل اللّه للمؤمنين الذين يعملون الصالحات مودة في القلوب يزرعها لهم من غير تودد منهم ، ولا تعرّض للأسباب التي يكتسب بها الناس مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف . وقد خصهم اللّه بهذه الكرامة كما : قذف الرعب في قلوب أعدائهم منهم إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم . ثم ذكر الحكمة في إنزال القرآن بلغة العرب فقال : ( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ) أي فإنما سهلنا نزول القرآن بلغتك العربية لتقرأه على الناس وتبشر به من اتقى عقاب اللّه ، فأدى فرائضه واجتنب نواهيه ، بأن له الجنة ، وتنذر به من عصاه من قريش ، وهم أهل اللدد والجدل بالهوى ممن لا يقبل حقا ، ولا يحيد عن باطل . وقصارى ذلك - بلّغ هذا المنزّل وبشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك العربي المبين ، ليسهل على الناس فهمه ثم ختم السورة بتلك العظة البالغة فقال : ( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ؟ ) أي وقد أهلكنا كثيرا من الأمم قبل هؤلاء المعاندين ، حين سلكوا في خلافي مسلك هؤلاء ، وركبوا معاصىّ ، فهل تحس منهم أحدا فتراه وتعاينه أو تسمع له صوتا ؟ لا - إنهم بادوا وخلت منهم الديار ، وأقفرت المنازل ، وصاروا إلى دار لا ينفع فيها إلا صالح العمل ، وإن قومك لصائرون إلى مثل ما صاروا إليه ، إن لم يعاجلوا التوبة قبل الهلاك .