أحمد مصطفى المراغي
73
تفسير المراغي
عتيا : أي تكبرا ومجاوزة للحد ، صليّا : أي دخولا فيها من صلّى بالنار إذا قاسى حرها ، واردها : أي مارّ عليها ، حتما : أي واجبا ، مقضيا : أي قضى بوقوعه البتة . المعنى الجملي بعد أن أمر سبحانه بالعبادة والمصابرة عليها على ما فيها من مشاق وشدائد - أبان فائدة ذلك وهي أنها تنجيهم يوم الحشر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، وهو يوم لا ريب فيه ولا وجه لإنكاره ، فإن إعادة الإنسان أهون من بدئه ، ثم ذكر ما يلقاه الكافرون يومئذ من الذل والهوان ، ثم أردف ذلك ببيان أن جميع الخلائق ترد على النار ولا ينجو منها إلا من اتقى ربه وأخلص في عمله . روى الكلبي أنها نزلت في أبىّ بن خلف أخذ عظما باليا فجعل يفتّه بيده ويذريه في الريح ويقول : زعم فلان أنا نبعث بعد أن نموت ونكون مثل هذا ، إن هذا لن يكون أبدا . الإيضاح ( وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ) أي ويقول الكافر الذي لا يصدّق بالبعث بعد الموت متعجّبا مستبعدا : أأخرج حيا مرة أخرى فأبعث بعد الموت والبلى ؟ وأسند القول إلى الكفرة جميعا وإن لم يقل هذه المقالة إلا بعضهم ، من حيث رضاهم عن هذا المقال وسكوتهم عن إنكاره كما سلف لك من قبل . ثم أقام الدليل على صحة ذلك بقوله : ( أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ؟ ) أي أو لا يتفكر الإنسان المجترئ على ربه ، المنكر لتلك الإعادة بعد الفناء ، وللإحياء بعد الممات ، أن اللّه خلقه من قبل مماته ، فأنشأه بشرا سويا من غير شئ ، فليعتبر بذلك وليعلم أن من أنشأه كذلك لا يعجز عن إحيائه بعد مماته ، وإيجاده بعد فنائه .