أحمد مصطفى المراغي
64
تفسير المراغي
ويرى بعض الباحثين في الآثار المصرية أن إدريس تعريب لكلمة ( أوزريس - أموريس ) وهو الذي ألف له المصريون القدماء رواية خلّدت في بطون تواريخهم ، ومنها أنه حصل بينه وبين أخيه تحاسد وشقاق أدى إلى قتله وتقطيعه إربا إربا ، فجمعت امرأته تلك القطع وحفظتها وحنطتها ، واتخذوه إلها بعد أن كان مصلحا عظيما . وهذا القصص الخرافى جعل المصريين يعنون بتحنيط الموتى ، وقد أفاد هذا العمل صناعة التحنيط ورقّاها حتى صارت مضرب الأمثال في الخافقين . وقد كان الملك والدين في عهد تلك الدولة أمرا واحدا ، فالملك يجمع بين شؤون الدين والدنيا ، فمن عصى الملك فقد عصى اللّه . ويعتقدون أن أوزريس صعد إلى السماء وصار إلى العالم العلوي وله عرش عظيم في السماء ، ويتمتع بأعظم الخيرات ، وكل من حفظ جسمه ووزنت أعماله بعد الموت وحكم القضاة وهم اثنان وأربعون قاضيا بأن حسناته غلبت سيئاته - يلحق بأوزريس وهذا النبي الذي جعلوه إلها بعد ذلك هو الذي علمهم العلوم والمعارف وينسبون الفضل في ذلك إليه . وقد ارتقت الأمة المصرية في العلوم والمعارف إلى حد لم تصل إليه أمة أخرى لا في القديم ولا في الحديث ، وخدمت النوع البشرى خدمة جليلة ، فارتفاع إدريس إلى السماء راجع إلى رقى تعاليمه وانتفاع أمته بها ، فالنبي بأمته ، ومن ثم تجد آثار أمته بادية للعيان ، بعد أن كانت خافية عن الأنظار . وبعد أن ذكّر اللّه أولئك المرسلين أخذ يعدد مناقبهم ويذكر صفاتهم فقال : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 58 ] أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 )