أحمد مصطفى المراغي
45
تفسير المراغي
( فَناداها مِنْ تَحْتِها : أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) أي فناداها عيسى عليه السلام كما قال الحسن البصري وسعيد بن جبير ، ( وقد أنطقه اللّه حين وضعته تطييبا لقلبها ، وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد بادي ذي بدء علوّ شأن ذلك المولود الذي بشرها به جبريل عليه السلام ) ألا تحزني فقد جعل ربك المحسن إليك ، تحتك غلاما رفيع الشأن ، سامى القدر ذا سخاء في مروءة . ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) أي أميلى إليك جذع النخلة واجذبيه بتحريكه ، يسقط عليك رطبا جنيا تأكلين منه ما تشاءين . وتلك آية أخرى لها ؛ إذ روى أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء ، فأنزل اللّه لها رزقا فجعل للنخلة رأسا وخوصا وجعل لها ثمرا رطبا - وهذه رواية يعوزها الدليل . وفي هذا إيماء وتنبيه إلى أن من يقدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء يقدر أن يجعلها تحمل من غير السنن العادية ، وإلى أن السعي في الرزق مطلوب ولا ينافي التوكل ، وللّه در القائل : ألم تر أن اللّه أوحى لمريم * وهزّى إليك الجذع يسّاقط الرّطب ولو شاء أحنى الجذع من غير هزّه * إليها ولكن كل شئ له سبب ( فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ) أي فكلى من ذلك الرطب ، واشربى من عصيره ، وطيبي نفسا ، وأبعدى عنك الأحزان ، فإن اللّه قدير أن ينزّه ساحتك ويبعد عنك تخرّصات المبطلين الذين يتقيدون بالسنن التي جعلها اللّه الطريق للولادة في البشر ، ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك حتى يثبتوا لك القداسة والطهر . ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) أي فإن رأيت أحدا من بني آدم يسألك عن أمرك ، وأمر ولدك وكيف ولدته ، فأشيرى إليهم - إني أوجبت على نفسي للّه صمتا ألّا أكلم اليوم أحدا ، فإن كلامي يقبل الرد والجدل ، ولكن يتكلم عنى ذلك المولود الذي لا يقبل كلامه الدفع والرد ، وإني أنزّه نفسي عن مجادلة السفهاء ، ولا أكلم إلا الملائكة أو أناجى الخالق .