أحمد مصطفى المراغي
153
تفسير المراغي
( 2 ) رضا اللّه عن قول صدر من المشفوع له ، ليأذن بشفاعة الشافع له . وقصارى ذلك - إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له ، وكان له قول يرضى . وبمعنى الآية قوله تعالى : « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » وقوله « وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى » وقوله : « وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ » وقوله : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً » . ولما نفى أن تنفع شفاعة بغير إذنه علل ذلك بقوله : ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) أي يعلم ما بين أيدي عباده من شؤون الدنيا ، وما خلفهم من أمور الآخرة ، وهم لا يعلمون جملة ذلك ولا تفصيله . ولما ذكر خشوع الأصوات أتبعه خضوع ذويها فقال : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) أي واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت ، القائم على خلقه بتدبير شؤونهم ، وتصريف أمورهم . وخص الوجوه بالذكر ، لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة ، ولأن آثار الذل والغبطة والسرور تظهر عليها . ( وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) أي وقد حرم الثواب من وافى الموقف وهو مشرك باللّه ، كافر بأنبيائه ، أو تارك لأوامره ، منغمس في معاصيه . وبعد أن ذكر أهوال يوم القيامة بين حال المؤمنين حينئذ فقال : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ) أي ومن يعمل صالح الأعمال على قدر طاقته ، وهو مؤمن بربه ورسله ، وما أنزله عليهم من كتبه فلا يخاف من اللّه ظلما بأن يحمل عليه سيئات غيره وأوزاره ، ولا يخاف أن يهضمه حسناته فينقصه ثوابها ، ونحو الآية قوله : « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » * .