أحمد مصطفى المراغي
145
تفسير المراغي
المتلافيه برأيك ، وخشيت عتابك على اطراح ما وصيتنى به ، ولم يكن بد من مراقبة ذلك والعمل على موجبه . وخلاصة ذلك - إني رأيت من صواب الرأي أن أحفظ العامة وأداريهم على وجه لا يختل به نظامهم ، ولا يكون سببا للومك حتى ترجع فتتدارك الأمر بحسب ما ترى ولا سيما أن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني . وبعد أن انتهى من سماع اعتذار قومه وإسنادهم الفساد إلى السامرىّ ومن سماع اعتذار هارون - وجه الكلام إلى السامري . ( قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ) أي قال موسى للسامري : ما شأنك وما الذي دهاك حتى فعلت ذلك الأمر الجلل ؟ وقد خاطبه بهذا ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ، ويفعل به وبما أخرجه ما يكون نكالا للمفتونين به ولمن خلفهم من الأمم . ( قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) أي قال السامري : إني عرفت ما لم يعرفه القوم ولم تعرفه أنت ، وعرفت أن ما أنتم عليه ليس بالحق . ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها ) أي وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئا من سنتك ودينك فطرحته ، كما يقال فلان يقفو أثر فلان ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه ، ويتبع طريقته ، وأجرى الكلام على طريق الغيبة وهو يخاطبه على نهج قول الرجل لرئيسه وهو مواجه له : ما يقول الأمير في كذا وبما ذا يأمر الأمير ؟ قاله أبو مسلم الأصفهاني ، وأيده الرازي وقال إنه أقرب إلى التحقيق . وخلاصة هذا - إن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم والتعنيف والسؤال عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم - رد عليه بأنه كان استن بسنته ، واقتفى أثره وتبع دينه ، ثم استبان له أن ذلك هو الضلال بعينه ، وأنه ليس من الحق في شئ فطرحه وراءه ظهريا وسار على النهج الذي رأى وفي التعبير بكلمة ( الرَّسُولِ ) على هذا نوع من التهكم والسخرية ، لأنه جاحد