أحمد مصطفى المراغي
146
تفسير المراغي
مكذب له ، فهو على نحو ما حكى اللّه عن بعض الجاحدين بقوله : « وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ » وهم لا يؤمنون بالإنزال عليه . ( وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) أي كما زينت لي نفسي أولا اتباع سنتك واقتفاء أثرك ، زينت لي أيضا ترك ذلك بمحض الهوى لا لشئ آخر من برهان عقلي أو نقلي أو إلهام إلهي . والخلاصة - لم يدعني إلى ما فعلت إلا هوى النفس فحسب : ولما سمع موسى من السامري ما سمع بيّن له ما سينزل به من الجزاء في الدنيا والآخرة وذكر له حال إلهه ، أما عزاؤه هو في الدنيا فما حكاه سبحانه عنه . ( قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ) أي قال له : اذهب فأنت طريد من بين الناس ، فلا يخالطك أحد ولا تخالط أحدا ، حتى لو سئلت عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس : أي لا يماسّنى أحد ، ولا أماسّ أحدا ، قال مقاتل : إن موسى عليه السلام أمره هو وأهله بالخروج من محلة بني إسرائيل ، فخرج طريدا في البراري . و روى أنه لما قال له موسى ذلك هرب ، فجعل يهيم في البريّة مع السباع والوحش ، ولا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كمن يقول لا مساس ، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه . وقصارى ذلك - إنه خاف وهرب ، وجعل يهيم في الصحارى والقفار حتى صار لبعده عن الناس كأنه قائل ذلك . وأما جزاؤه في الآخرة فقد ذكره بقوله : ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ ) أي وإن لك موعدا في الآخرة لن يخلفكه اللّه ، بل سينجزه لك البتة ، بعد أن يعاقبك في الدنيا ، وهو آت لا محيص منه . وأما حال إلهه فقد بينه بقوله : ( وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً )