أحمد مصطفى المراغي

121

تفسير المراغي

المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه سؤال فرعون عن رب موسى - قفى على ذلك ببيان أنه بصّره بالآيات الدالة على توحيد اللّه كقوله : ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ، وقوله : الذي جعل لكم الأرض مهدا ، والدالة على نبوته كإلقاء العصا وصيرورتها ثعبانا ونزع يده من تحت جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء ، فعلم كل هذا وكذّب به كفرا وعنادا كما قال « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » الآية . الإيضاح ( وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى ) أي ولقد بصّرنا فرعون وعرّفناه آياتنا الدالة على قدرتنا وعلى نبوة موسى فكذب بها وأبى أن يذعن للحق . وقد يكون المراد بها الآيات التسع المذكورة في قوله : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ » . ثم فصل سبحانه صفة تكذيبه وإبائه فقال : ( قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ؟ ) أي قال منكرا مستقبحا لما فعل موسى : أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه بعد ما غبت عنا ، لتخرجنا من مصر بما أظهرته من السحر ؟ إذ تستولى على عقول الناس فيتبعونك وتكاثرنا بهم . وخلاصة ما قال - أجئت يا موسى لتوهم الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك والإيمان بما جئت به إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا منها ويكون لك الملك فيها ، وإنما قال تلك المقالة ، ليحمل قومه على السخط على موسى والغضب منه ، بإظهار أن مراده ليس مجرد إنجاء بني إسرائيل من أيديهم ، بل مقصوده إخراج القبط من أوطانهم ، وحيازة أموالهم وأملاكهم جملة ، وبذا يسدّ عليه الباب فلا يتوجه أحد إلى اتباع دعوته ، مبالغة في المدافعة عن بلادهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ولا ينظرون إلى معجزاته ، ولا يلتفتون إلى ما يدعو إليه من الخير ، ثم ادّعى أنه سيعارضه بمثل عمله فقال :