أحمد مصطفى المراغي
119
تفسير المراغي
وإجمال سؤاله - إنه إذا كان الأمر كما ذكرت ففضّل لنا حال الماضين من سعادة وشقاء ، فرد عليه السلام عليه بأن علم ذلك إلى اللّه ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول بإبراز الدلائل على الوحدانية فقال : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) أي ربى الذي لا يضل ولا ينسى هو الذي جعل لكم الأرض كالمهاد ، تتمهّدونها وتستقرون عليها ، فتقومون وتنامون وتسافرون على ظهرها . ( وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا ) أي وجعل لكم فيها طرقا بين الجبال والأودية تمشون في مناكبها وتسلكونها من قطر إلى قطر ، لتقضوا مآربكم ، وتنتفعوا بمرافقها . ونحو الآية قوله : « وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » . ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) أي وأنزل من السماء مطرا فأخرج به مختلف أنواع النبات من زروع وثمار حامضة وحلوة ؛ وهي أيضا مختلفة النفع واللون والرائحة والشكل ، بعضها يصلح للإنسان ، وبعضها يصلح للحيوان ؛ وفي هذا بيان لنعمه على خلقه بما يحدث لهم من الغيث الذي يولد تلك المنافع . ( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ) أي فأخرجنا أصناف النبات قائلين لكم كلوا وارعوا أنعامكم إلخ . فشىء منها أعد لطعامكم وفاكهتكم ، وشئ أعد لأنعامكم قوتا لها أخضر ويابسا . ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) أي إن فيما وصفت لكم من قدرة ربكم وعظيم سلطانه - لأدلة على وحدانيته وأنه لا إله غيره إذا كنتم من ذوى العقول الراجحة ، والأفكار الثاقبة . ولما ذكر سبحانه منافع الأرض والسماء بين أنها غير مقصودة لذاتها ، بل هي وسائل إلى منافع الآخرة فقال : ( مِنْها خَلَقْناكُمْ ) أي من الأرض خلقنا النطفة المتولدة من الأغذية التي تكونت