أحمد مصطفى المراغي

9

تفسير المراغي

وقد أجاب اللّه عن اقتراحهم فقال : ( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ ) أي ما ننزل الملائكة إلا بالحكمة والفائدة ، وليس في نزول الملائكة من السماء وأنتم تشاهدونهم - فائدة لكم ، لأنكم إذا رأيتموهم قلتم إنهم بشر لأنكم لا تطيقون رؤيتهم إلا وهم على الصورة البشرية ، إذ هم من عالم غير عالمكم ، وإذا قالوا نحن ملائكة كذبتموهم ، لأنهم على صورتكم فيحصل اللبس ولا تنتفعون بهم وإلى هذا أشار في سورة الأنعام بقوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » . ( وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) أي إن في نزول الملائكة ضررا لهم لا محالة ، لأنا مهلكهم ولا نؤخرهم ، إذ قد جرت عادتنا في الأمم قبلهم أنهم إذا اقترحوا آية وأنزلناها عليهم ولم يؤمنوا بها - يكون العذاب في إثرها ، فلو أنا أنزلناهم ولم يؤمنوا بهم لحق عليهم عذاب الاستئصال ولم ينظروا ساعة من نهار . والخلاصة - إنه ليس في إنزال الملائكة إليهم فائدة لهم بل فيه اللبس عليهم ، إلى ما فيه من الضرر المحقق لهم وهو الهلاك ، وحينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم . ثم أجاب سبحانه عن قولهم الأول ، وردّ إنكارهم تنزيل الذكر واستهزاءهم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وسلّاه على ذلك بقوله : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) أي إنما أنتم قوم ضالون مستهزءون بنبينا ، وليس استهزاؤكم بضائره ، لأنا نحن نزلنا القرآن ونحن حافظوه ، فقولوا إنه مجنون ، ونحن نقول : إنا نحفظ الكتاب الذي أنزلناه عليه من الزيادة والنقص ، والتغيير والتبديل ، والتحريف والمعارضة ، والإفساد والإبطال . وسيأتي في مستأنف الأزمان من يتولون حفظه والذب عنه ، ويدعون الناس إليه ، ويستخرجون لهم ما فيه من عبر وحكم ، وآداب وعلوم ، تناسب ما تستخرجه