أحمد مصطفى المراغي
10
تفسير المراغي
العقول من المخترعات ، وتستنبطه الأفكار من نظريات وآراء فيستنير بها العارفون ، ويهتدى بهديها المفكرون ، فلا تبتئس أيها الرسول بما يقولون وما يفعلون . ثم سلّى رسوله عما أصابه من سفه قومه وادعائهم جنونه - بأن هذا دأب الأمم المكذبة لرسلها من قبل ، فلقد أصابهم مثل ما أصابك من قومك ، فاستهزءوا بهم كما استهزأ قومك بك ، فنصرنا رسلنا وكبتنا أعداءهم ، وسيكون أمركم وأمرهم كذلك ، وإلى ذلك أشار بقوله : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ، وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي إننا أرسلنا قبلك رسلا لأمم قد مضت ، وما أتى أمة رسول إلا كذبوه واستهزءوا به ، لما جرت به العادة من أن فعل الطاعات وترك اللذات - مستثقل على النفوس - إلى أنهم يدعونهم إلى ترك ما ألفوا من المعتقدات الخبيثة ، وترك عبادة الأوثان الباطلة ، وذلك مما يشق على النفوس ، إلى أن الرسول قد يكون فقيرا لا أعوان له ولا أنصار ، ولا مال ولا جاه ، فلا يتبعه الرؤساء وذوو البأس والقوة ، بل يعملون على مشاكسته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، إلى أن اللّه يخذلهم ويلقى دواعي الكفر في قلوبهم بحسب السنن التي سنها لعباده كما يرشد إلى ذلك قوله : ( كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) أي كذلك نلقى القرآن في قلوب المجرمين مستهزأ به غير مقبول لديهم ، لأنه ليس في نفوسهم استعداد لتلقى الحق ، ولا تضئ نفوسهم بمصابيح هدايته الربانية ، كما كانت حال الأمم الماضية حين ألقيت عليهم الكتب المنزّلة من الملأ الأعلى . وقد جرت سنة اللّه في الأولين ممن بعث إليهم الرسل أن يخذلهم ويدخل لكفر والاستهزاء في قلوبهم ، ثم يهلكهم وتكون العاقبة للمتقين والنصر حليف رسله والمؤمنين ، فلك أسوة بالرسل قبلك مع أممهم المكذبة ، ولست بأوحدي في ذلك . والخلاصة - هكذا نفعل باللاحقين كما فعلنا بالسابقين ، ويستهزئ بك