أحمد مصطفى المراغي

8

تفسير المراغي

جحود وعناد بلغا مدى تنكر معه المشاهدات ، ويدّعى معه السحر والخداع حين رؤية المبصرات . ثم ذكر سبحانه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم تسلية له أن ما صدر منهم من السفه ليس بدعا ، فهذا دأب كل محجوج ، فكثير من الأمم السالفة فعلت مثل هذا مع أنبيائها ، فلك أسوة بهم في الصبر على سفاهتهم وجهلهم . قال مقاتل : القائلون هذه المقالة هم عبد اللّه بن أمية والنضر بن الحرث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة من صناديد قريش . الإيضاح ( وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) أي وقالوا استهزاء وتهكما : أيها الرجل الذي زعم أنه نزّل عليه القرآن : إن ما تقوله أملاه عليك الجنون ، وليس له معنى معقول ، وهو مخالف لآرائنا ، بعيد من معتقداتنا ، فكيف نقبل ما لا تقبله العقول ، ولا ترضاه الفحول ، من رجالاتنا الفخام ، وعشائرنا العظام ؟ ( لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) أي إن كان ما تدعيه حقا وقد أيدك اللّه وأرسلك ، فما منعك أن تسأله أن ينزل معك ملائكة من السماء يشهدون بصدق نبوتك . وخلاصة ذلك : إن من يخالف آراءنا إما مجنون وإما له سلطان عظيم من ربه ، وحينئذ فما ذا يمنعه أن يقويه بالملائكة ليشهدوا بصدقه ؟ . ونحو الآية قوله : « وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ » وقال فرعون في شأن موسى : « فلو لا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين » وقوله : « وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً » .