أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

فنخرج كما خرجوا ، قال ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم - الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ، ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين » . ونحو الآية قوله تعالى : « وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . قال الزجاج : إن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم ودّ أن لو كان مسلما . وقصارى ذلك - قد يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين حينما يعاينون العذاب وقت الموت : « والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون » وفي الموقف حينما يرون هول العذاب وقد انصرف المسلمون إلى الجنة وسيقوا هم إلى النار ، والمسلمون المذنبون عذّبوا بذنوبهم ثم خرجوا منها وبقي الكافرون في جهنم . وقد جاءت ( ربما ) للتقليل على سنة العرب في نحو قولهم : ربما تندم على ما فعلت ، ولعلك تندم على ما فعلت ، لا يقصدون التقليل في نحو ذلك ، وإنما يريدون أن الندم لو كان مشكوكا فيه أولو كان قليلا لحق عليك ألا تفعل هذا الفعل ، إذ العاقل يتحرز من التعرض للغم المظنون كما يتعرض للغم المتيقن ، ويبتعد عن القليل منه كما يبتعد عن الكثير . ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ) أي دعهم أيها الرسول في غفلاتهم يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويتمتعون بلذات الدنيا وشهواتها ، وتلهيهم الآمال عن الآجال ، فيقول الرجل منهم غدا سأنال ثروة عظيمة ، وأحظى بما أشتهي ، ويعلو ذكرى ، ويكثر ولدي ، وأبنى القصور ، وأكثر الدور ، وأقهر الأعداء ، وأفاخر الأنداد ، إلى نحو ذلك مما يغرق فيه من بحار الأماني والآمال وطلب المحال . ثم علل الأمر بتركهم بقوله : ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) سوء صنيعهم إذا هم عاينوا سوء جزائهم ، ووخامة عاقبتهم وفي هذا وعيد بعد تهديد ، وإلزام لهم بالحجة ومبالغة في الإنذار ، وقد