أحمد مصطفى المراغي

33

تفسير المراغي

ثم عللوا النهى عن الوجل بقولهم : ( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) أي إنا جئناك بالبشرى بعلام ذي علم وفطنة وفهم لدين للّه ، وسيكون له شأن ، لأنه سيصير نبيا . ونحو الآية قوله « وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا » . ثم قال إبراهيم متعجبا من مجىء ولد من شيخ وعجوز : ( أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ؟ ) أي أبشرتموني بذلك مع مس الكبر وتأثيره فىّ ، وتلك حال تنافى هذه البشرى . ( فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) أي فبأي أعجوبة تبشرون ؟ إذ لا سبيل في العادة إلى مثل ذلك ، وكأنه عليه السلام أراد أن يعرف : أيعطى هذا الولد مع بقائه على حاله من الشيخوخة التامة ، أو يرجع شابا ثم يعطى الولد ، لما جرت به العادة من أن الولد لا يكون إلا حين الشباب . فأجابوه مؤكدين ما بشروه به ، تحقيقا لما قالوا وليكون بشارة بعد بشارة : ( قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ) أي قال ضيف إبراهيم له : بشرناك بما يكون حقا ، وإنا لنعلم أن اللّه قد وهب لك غلاما ، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل اللّه فييأسوا من خرق العادة ، بل أبشر بما بشرناك به واقبل البشرى . والخلاصة - إنه عليه السلام استعظم نعمة اللّه عليه ، فاستفهم هذا الاستفهام التعجبي المبنى على السنن التي أجراها اللّه بين عباده ، لا أنه استبعد ذلك على قدرة اللّه ، فهو أجل من ذلك قدرا ، ويؤيد هذا جوابه عليه السلام . ( قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) أي قال إبراهيم للضيف : لا ييأس من رحمة اللّه إلا من أخطأ سبيل الصواب ، وغفل عن رجاء اللّه الذي لا يخيب من رجاه ، فضلّ بذلك عن الرأي القيّم ، وهذا كقول يعقوب : « لا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون » .