أحمد مصطفى المراغي
34
تفسير المراغي
وخلاصة مقاله - إنه نفى القنوط عن نفسه على أتم وجه ، فكأنه قال : ليس بي قنوط من رحمته تعالى ، لكن حالي تنافى فيض تلك النعم الجليلة التي غمرنى بها ، وتوالى المكرمات التي شملت آل هذا البيت . وبعد أن تحقق عليه السلام مصداق هذه البشرى ورأى أنهم أتوا مختفين على غير ما عهد عليه ملك الوحي ؟ سألهم عن أمرهم ليزول عنه الوجل . ( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) أي قال لهم : ما الأمر العظيم الذي جئتم لأجله سوى البشرى ؟ وكأنه عليه السلام فهم من مجرى حديثهم في أثناء الحوار أن ليست هذه البشرى هي المقصودة ، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا . لأنهم كانوا عددا والبشارة لا تحتاج إلى مثل هذا العدد ، ومن ثم اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام ؛ وأيضا لو كانت البشارة هي المقصودة لابتدءوا بها ، فأجابوه : ( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) أي قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين من قوم لوط ، واكتفوا بهذا القدر من الجواب ، لأن إبراهيم يعلم أن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لهلاكهم وإبادتهم . ومما يرشد إلى هذا الفهم قولهم : ( إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) أي إلا أتباع لوط في الدين فلن نهلكهم ، بل ننجيهم من العذاب الذي أمرنا أن نعذب به قوم لوط . ( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) أي لا نهلك آل لوط وأتباعه إلا امرأته فقد قضى اللّه أنها من الباقين مع الكفرة ، ثم هي مهلكة بعد ذلك معهم ، وقد أضاف الملائكة هذا التقدير إلى أنفسهم مع أنه للّه تعالى ، بيانا لمزيد قربهم من ربهم ، واختصاصهم به تعالى كما يقول خاصة الملك : دبّرنا كذا وأمرنا بكذا ، والمدبر الآمر هو الملك . وبعد أن بشّروا إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون بعذاب قوم مجرمين - ذهبوا إلى لوط وآله كما قال سبحانه .