أحمد مصطفى المراغي

17

تفسير المراغي

الإيضاح ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) أي ما من شئ ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده والإنعام به متى أردنا دون أن يكون تأخير ولا إبطاء ، فخزائن ملكنا مليئة بما تحبون من النفائس ، غير محجوبة عن الباحث الساعي إلى كسبها من وجوهها بحسب السنن التي وضعناها ، والنظم التي قدرناها ، ولا يمنعها مانع ، ولا يستطيع دفعها دافع ، فهي تحت قبضة الطالب لها إذا أحسن المسعى . وأحكم الطلب كما قال : « فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ » . ( وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) أي وما نعطى ذلك إلّا بقسط محدود نعلم أن فيه الكفاية لدى الحاجة ، وفيه الرحمة بالعباد كما قال : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » . وقد جرت سنة القران بأن يسمى ما يصل إلى العباد بفضل اللّه وجوده إنزالا كما قال : « وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ » وقال « وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » . ثم فصل بعض ما في خزائنه من النعم فقال : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) أي إن من فضله على عباده وإحسانه إليهم أن أرسل إليهم الرياح لواقح ، ويكون ذلك على ضروب . ( 1 ) أن يرسلها حاملات للسحاب ، فتلقّح بها الأشجار بما تنزل عليها من الأمطار فتغيرها من حال إلى حال ، فتعطيها حياة جديدة ؛ إذ تزدهر أزهارها ، وتثمر أغصانها ، بعد أن كانت قد ذبلت وصوّحت ، وأصبحت في مرأى العين كأنها ميتة لا حياة فيها كما قال تعالى : « وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ » .