أحمد مصطفى المراغي

15

تفسير المراغي

( وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) أي إن كل نبات قد وزنت عناصره وقدرت تقديرا ، فترى العنصر الواحد يختلف في نبات عنه في آخر بوساطة امتصاص الغذاء من العروق الضاربة في الأرض ومنها يرفع إلى الساق والأغصان والأوراق والأزاهير ، والذي حدد هذا الاختلاف ، تلك الفتحات الشعرية التي في ظواهر الجذور وثقوب كل نبات لا تسع إلا المقدار اللازم لها من العناصر وتطرد ما سواه ، لأنه لا يلائمها ، إذ هي قد كونت على هيئة خاصة بحيث لا تبتلع إلا تلك المقادير بعينها . وهاك عنصر البوتاس تره يدخل في حب الذرة الذي نأكله بمقدار 32 % وفي القصب 3 ر 34 % وفي البرسيم بمقدار 6 ر 34 % وفي البطاطس بمقدار 5 ر 61 % وبهذا التفاوت صلح القصب لأن يكون سكرا ، والبرسيم لأن يكون قوتا للبهائم ، والذرة والبطاطس لأن تكونا قوتا للإنسان . وحسبك دليلا على ذلك ما تجده في سورة الرحمن من قوله : « وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ » كما نظم سبحانه الكواكب في سيرها وأوضاعها ، وحركاتها وأضوائها ، ووزن عناصرها بمقادير يتناسب بعضها مع بعض . فلك الحمد ربنا جعلت كل شئ في الحياة موزونا بقدر معلوم ، لتتدبر نظم الحياة ، فنعرف قدرة منشئ العالم ، وأنه لم يخلق شيئا فيه جزافا ، ليكون فيه دليل على قدرة المبدع والمدبر له حال وجوده . ( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) أي إن أنواع معايشكم من غذاء وماء ، ولباس ودواء ، قد سخرناها لكم في الأرض ، فلا السمك في البحر غذّيتموه ، ولا الطير في الجوّ ربيتموه ، ولا غيرهما من أشجار الجبال والغابات وحيوان البر والبحر خلقتموه . ( وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) أي وجعلنا لكم فيها من لستم رازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب . وفي هذا إيماء إلى أن اللّه يرزقهم وإياهم لا أنهم يرزقون منهم ، وفي ذلك عظيم المنة ، وجزيل الفضل والعطاء ، وواسع الرحمة لعباده .