أحمد مصطفى المراغي

14

تفسير المراغي

نارا ظاهرا للمبصرين فأحرقه ، ولم يصل إلى معرفة شئ مما يدبّر في ملكوت السماوات ، وبهذا المعنى قوله : « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » . وجاء بمعنى الآية قوله في سورة الجن حكاية عنهم : « وأنّا لمسنا السّماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنّا كنّا نقعد منها مقاعد للسّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » وقوله في صورة الملك : « وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ » . وبعد ، فالكتاب الكريم أخبر بأن الشياطين أرادوا أن يختطفوا شيئا من أخبار الغيب مما لدى الملائكة الكرام ، فسلّطت عليهم الشهب المشتعلة ، والنجوم المتقدة ، فأحرقتهم ، ولا نبحث عن معرفة كنه ذلك ، ولا ننعم في النظر ، لندرك حقيقته ، لأنا لم نؤت من الوسائل والأسباب ما يمكننا من معرفة ذلك معرفة صحيحة ، تجعلنا نؤمن به إيمانا مبنيا على البرهان بوسائله المعروفة ، وليس لنا إلا التصديق بما جاء في الكتاب وأوحى به إلى النبي الكريم ، والبحث وراء ذلك لا يقفنا على علم صحيح ، بل على حدس وتخمين ، لا حاجة للمسلم به للاطمئنان في دينه ، فالأحرى به أن يعرض عنه لئلا يحيد عن القصد ، ويضل عن سواء السبيل . وبعد أن ذكر الدلائل السماوية على وحدانيته أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ) أي وقد بسطنا الأرض وجعلناها ممتدة الطول والعرض والعمق ، ليمكن الانتفاع بها على الوجه الأكمل ، وهذا فيما يظهر في مرأى العين ، فلا يدل على نفى الكروية عن الأرض ، لأن الكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي . ( وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ) أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت خوف أن تضطرب بسكانها كما قال في آية أخرى : « وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » * وقد سبق تفصيل ذلك في سورة الرعد .