أحمد مصطفى المراغي

28

تفسير المراغي

مقتضية لك ، فقد كنت أنتظر أن يأتوني من مصر ببشرى لقاء يوسف ، فخاب أملى وحل محله ذهاب ابني المسلّى عنه ، ولم يشرك معه بنيامين بالأسف عليه ، لأن مكان حب يوسف والرجاء فيه قد ملأ سويداء القلب وزواياه ، ومحل غيره دون ذلك . ( وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ ) أي أصابتهما غشاوة بيضاء غطت على البصر مع بقاء العصب الذي يدرك المبصرات سليما معافى ، قال الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا : البياض المصحوب بضياع البصر غالبا معناه ( الجلوكوما ) والمعروف عند الاختصاصيين في أمراض العيون أن أهم سبب لها هو التغيرات في الأوعية الشعرية نتيجة لأسباب كثيرة ، من أهمها الانفعالات العصبية ( كما يحدث في زيادة ضغط الدم ) لا سيما الحزن ( الدكتور مار ) اه . ( فَهُوَ كَظِيمٌ ) أي مملوء غيظا على أولاده ، يردد حزنه في جوفه ولا يتكلم بسوء ؛ والحزن عرض طبيعي للنفس ولا يذم شرعا إلا إذا بلغ بصاحبه أن يقول أو يفعل ما لا يرضى اللّه تعالى ، ومن ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم عند موت ولده إبراهيم وقد جعلت عيناه تذر فان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول اللّه : « يا ابن عوف إنها رحمة » ثم أتبعها بأخرى فقال : « إن العين ، تدمع وإن القلب ليخشع ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم محزون » رواه الشيخان وغيرهما . و في التفسير بالمأثور عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن داود عليه السلام قال : يا رب إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فاجعلني لهم رابعا ، فأوحى اللّه إليه أن : يا داود إن إبراهيم ألقى في النار بسببي فصبر ، وتلك بلية لم تنلك ، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر ، وتلك بلية لم تنلك ، وإن يعقوب أخذ منه حبيبه فابيضّت عيناه من الحزن ، وتلك بلية لم تنلك » قال الحافظ ابن كثير : وهذا حديث مرسل وفيه نكارة ، فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح اه