أحمد مصطفى المراغي
27
تفسير المراغي
( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ) أي واسأل أهل القرية التي كنا نمتار فيها وهي مصر ، فقد اشتهر فيهم أمر هذه السرقة حتى لو سئلوا لشهدوا . ( وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ) أي واسأل أصحاب العير الذين كانوا يمتارون معنا . ثم أكدوا صدق مقالهم بقولهم : ( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) فيما أخبرناك به ، سواء أسألت غيرنا أم لم تسأل ، إذ أن من عادتنا الصدق فلا نخبرك إلا به ولا نظنك في مرية من هذا : وبعد أن انتهى تعالى من سرد مقال كبيرهم عاد إلى ذكر مقال أبيهم فقال : ( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) أي فرجع الإخوة إلى أبيهم وقالوا له ما لقنهم كبيرهم فلم يصدقهم فيما قالوا ، بل قال لهم بل زينت لكم أنفسكم كيدا آخر فنبذتموه ، ومما يقوّى ذلك عندي أنكم لقنتم هذا الرجل حكم شريعتنا وأفتيتموه به ، وليس ذلك من شريعته . ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أي فحالى على ما نالني من فقده صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية لأحد ، بل أشكو إلى اللّه وحده وأعلق رجائي به . ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) أي أطلب من اللّه أن يرجع إلىّ يوسف وبنيامين والأخ الثالث الباقي بمصر ، وقد كان لديه إلهام بأن يوسف لم يمت وإن غاب عنه خبره . ( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) أي إنه العليم بوحدتى وفقدهم والحزن عليهم ، وله فينا حكمة بالغة ، وهو الحكيم في أفعاله فيبتلى ويرفع البلاء على مقتضى سننه وحكمته في تدبير خلقه ، وقد جرت سنته أن الشدة إذا تناهت جعل وراءها فرجا ، والمصيبة إذا عظمت جعل بعدها المخلص منها ؛ كما قال « فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً » . ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ) أي أعرض عنهم كراهة لما جاءوا به . ( وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) أي يا حزنى ويا حسرتي عليه أقبلي فهذا وقتك والحال