أحمد مصطفى المراغي

11

تفسير المراغي

فكل أولئك مما يحول دون التثبت من معارف وجهه ، ولا سيما أنهم كانوا يظنون أنه قد هلك أو طوّحت به طوائح الأيام ، ولو كانوا قد فطنوا لبعض ملامحه وتذكروه بها لربما عدوه مما يتشابه فيه بعض الناس ببعض العادات ، وبخاصة أنه لم يكن يدور بخلدهم أن أخاهم قد وصل إلى ذلك المركز السامي . ( وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ ) أي ولما أوقر ركائبهم بما جاءوا لأجله من الميرة والطعام وجهزهم بما سوى ذلك من الزاد وبما يحتاج إليه المسافرون عادة على قدر طاقتهم وبيئتهم . ( قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) هو شقيقه بنيامين ، وسبب ذلك أن يوسف ما كان يعطى لأحد إلا حمل بعير ، وقد كان إخوته عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا إن لنا أبا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه ، وإن أباهم لتقدم السن به وشدة حزنه لا يستطيع الحضور ، وإن أخاهم بقي في خدمة أبيه ، ولا بد لهما من شئ من الطعام فجهز لهما بعيرين آخرين ، وقال لهم جيئونى بأخيكم لأراه . وفي سفر التكوين أنه كان استنبأهم عن أنفسهم متنكرا لهم ، إذ عرفهم ولم يعرفوه واتهمهم بأنهم جواسيس جاءوا ليروا عورة البلاد ، فأنكروا ذلك وأخبروه خبرهم ، فقالوا نحن عبيدك اثنا عشر أخا ونحن بنو رجل واحد في أرض كنعان ، وهذا الصغير عند أبينا اليوم ، والواحد مفقود ، فقال لهم يوسف ، ذلك ما كلمتكم به قائلا ، جواسيس أنتم ، بهذا تمتحنون ، وحياة فرعون لا تخرجون من هنا إلا بمجيء أخيكم الصغير إلى هنا . فدعوا رهينا عندي وأتوني بأخيكم من أبيكم ، فاقترعوا فأصابت القرعة شمعون فخلفوه عنده . ثم أمر يوسف أن تملأ أوعيتهم قمحا وترد فضة كل واحد إلى عدله وأن يعطوا زادا للطريق ، ففعل لهم هكذا اه . ( أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ) أي أتمه ولا أبخسه وأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم . ( وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) أي وأنا على هذا خير المضيفين لضيوفه ، فقد أحسن ضيافتهم وجهزهم بالزاد الكافي لهم مدة سفرهم ومن هذا يعلم أن رواية اتهامهم بالتجسس ضعيفة على كونها لا تليق بمن دون الصديق النبي وهو يعلم بطلانها ، إلا أن تكون ذريعة لغرض صحيح كاتهامهم بالسرقة .