أحمد مصطفى المراغي
12
تفسير المراغي
( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي ) أي فإذا عدتم تمتارون لأهلكم ولم يكن معكم منعتم من الكيل في بلادي فضلا عن إيفائه وإكماله الذي كان لكم بأمري . ( وَلا تَقْرَبُونِ ) أي ولا تقربونى بدخول بلادي فضلا عن الإحسان في الإنزال والضيافة . وفي ذلك إيماء إلى أنهم كانوا على نية الامتيار مرة بعد أخرى ، وأن ذلك كان معلوما عليه السلام ، والظاهر أن ما فعله معهم كان بوحي ، وإلا فالبرّ كان يقتضى أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه ، ولعل اللّه أراد تكميل أجر يعقوب في محنته ، وهو الفعال لما يريد في خلقه . ( قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ ) أي سنجتهد ونختال على أن ننزعه من يده ونحوّله عن إرادته في إبقائه عنده إلى إرادتنا وإرادتك ، ونقنعه بإرساله معنا كما تحب . ( وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ) ذلك لا محالة ولا نتوانى فيه . ( وَقالَ لِفِتْيانِهِ ) أي غلمانه الكيالين . ( اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ ) أي اجعلوا بضاعتهم التي اشتروا بها الطعام ، وكانت نعالا وجلودا ، في أمتعتهم من حيث لا يشعرون : ( لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ ) أي لكي يعرفوا لنا حق إكرامهم بإعادتها إليهم وجعل ما أعطيناهم من الغلة مجانا بلا ثمن ، إذا هم رجعوا إلى أهلهم وفتحوا متاعهم فوجدوها فيه . ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم بقوله : ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) إلينا طمعا في برنا ، فإن العوز إلى القوت من أقوى الدواعي إلى الرجوع : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 63 إلى 64 ] فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 )