أحمد مصطفى المراغي

92

تفسير المراغي

وسلم بقوله لمعاذ بن جبل حين ولاه القضاء في اليمين « بم تقضى ؟ قال بكتاب اللّه . قال فإن لم تجد ؟ قال فبسنة رسوله . قال فإن لم تجد ؟ قال أجتهد رأيي - فأقرّه على ذلك » . وهذا هو الاستقامة في الدين التي بها في يرقى المرء إلى أعلى عليين ، وقد حثّ اللّه رسوله عليها في هذه الآية وحث موسى وهارون عليها فقال : « قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما » . ومدح من اتصفوا بها ووعدهم بالخير والفلاح في الآخرة فقال : « إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » . و روى مسلم عن سفيان الثقفي قال : « قلت يا رسول اللّه قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك . قال : ( قل آمنت باللّه ثم استقم ) » . ( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي إنه تعالى بصير بعملكم ومحيط به فيجزيكم به ، فاتقوه أن يطلع عليكم وأنتم عاملون بخلاف أمره . ونظير هذه الآية قوله « فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ » . ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) الركون إلى الشيء : الاعتماد عليه ، وركن الشيء : جانبه الأقوى ، وما تتقوى به من ملك وجند وغيره ومنه قوله تعالى « فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ » والمراد من الظالمين هنا أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردّوهم عنه ، فهم بمعنى الذين كفروا في الآيات الكثيرة ، وتمسكم النار ، أي تصيبكم ، أي لا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين ولا من غيرهم فتجعوهم ركنا لكم