أحمد مصطفى المراغي
86
تفسير المراغي
روى الترمذي وأبو يعلى وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال : لما نزلت « فمنهم شقى وسعيد » قلت : يا رسول اللّه فعلام نعمل ؟ على شئ قد فرغ منه أو على شئ لم يفرغ منه ؛ قال : « بل على شئ قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ، ولكن كلّ ميسر لما خلق له » و روى عن علي كرم اللّه وجهه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكت في الأرض فقال : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وقرأ : « فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى » والمراد أن اللّه يعلم الغيب وأنه يعلم المستقبل كله بجميع أجزائه وأطرافه ، ومنه عمل العاملين وما يترتب على كل عمل من الجزاء بحسب وعده ووعيده في كتابه المنزل وكتابته للمقادير ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم علمنا أن الجزاء بالعمل ، وأن كل إنسان ميسر له ومسهل عليه ما خلقه اللّه لأجله من سعادة الجنة ، أو شقاوة النار ، وأن ما وهبه من الاستعداد والعزيمة يكون له تأثير في تربية النفس توجيهها إلى ما تعتقد أن فيه سعادتها وخيرها . ثم فصل جزاء الفريقين فقال : ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) الزفير تنفس الصّعداء من الهم والكرب إذا امتد واشتد وسمع صوته ، والشهيق النشيج في البكاء إذا اشتد تردده في الصدر وارتفع به الصوت ، أي فأما الذين شقوا في الدنيا بما كانوا يعملون من أعمال الأشقياء لفساد عقيدتهم الموروثة وسوء القدوة في العمل حتى أحاطت بهم خطيئاتهم وانطفأ نور الفطرة من أنفسهم ، فلهم في النار التي هي مستقرهم ومثواهم زفير وشهيق من حرج صدورهم وضيق أنفاسهم وشدة كروبهم . ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) أي ماكثين فيها مكث خلود وبقاء مدة دوام السماوات التي تظلهم والأرض التي تقلّهم ، والمراد التأبيد ونفى الانقطاع على منهج قولهم : لا أفعله ما بدا كواكب ، وما أضاء الفجر ، وما تغنّت حمامة ، والنصوص متظاهرة على تأبيد قرارهم فيها .