أحمد مصطفى المراغي
87
تفسير المراغي
وسماء كل من أهل الجنة والنار ما هو فوقهم ، وأرضهم ما هم مستقرون عليه وهو تحتهم ، كما قال تعالى « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ » وقال ابن عباس والسّدّى والحسن : لكلّ أرض وسماء . ( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) أي إن هذا الخلود دائم إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا النظام في طور آخر ، إذ أنه إنما وضع بمشيئته وسيبقى كذلك ، ويراد بمثل هذا في سياق الأحكام القطعية الدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئته تعالى فقط ، لا لإفادة عدم عمومها كما في قوله : « قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » أي لا أملك شيئا من ذلك بقدرتي إلا ما شاء اللّه أن يملكنيه منه بتسخير أسبابه وتوفيقه ، ونحو ذلك قوله : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » أي إنه تعالى ضمن لنبيه حفظ القرآن الذي يقرئه إياه وعصمه ألا ينسى منه شيئا كما هو مقتضى الضعف البشرى إلا أن يكون بمشيئة اللّه فهو وحده القادر على ذلك . ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ؛ ومشيئته تعالى إنما تتعلق بما سبق به علمه واقتضته حكمته ، وما كان كذلك لم يكن إخلافا لشئ من وعده ولا من وعيده كخلود أهل النار فيها . ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) المجذوذ : المقطوع ، من جذّه إذا قطعه أو كسره ، وهو كقوله : « لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ » * أي إن هذا الجزاء هبة منه وإحسان دائم غير مقطوع ، وقد كثر وعد اللّه تعالى للمؤمنين المحسنين بأنه يزيدهم من فضله ، وبأنه يضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها ، وبأكثر من ذلك إلى سبعمائة ضعف ، وبأنه يجزيهم بالحسنى ، وبأحسن مما عملوا - ولم يوعد بزيادة جزاء الكافرين والمجرمين على ما يستحقون ، بل أوعدهم بأنه يجزيهم بما عملوا ، وبأن السيئة بمثلها وهم لا يظلمون ، وبأنه لا يظلم أحدا ، وهذا الجزاء وهو الخلود في النار أثر طبيعي لتدسية النفس بالكفر والظلم والفساد .