أحمد مصطفى المراغي

84

تفسير المراغي

المعنى الجملي بعد أن ذكر العبرة في إهلاك الأمم الظالمة في الدنيا - ذكر هنا العبرة بجزاء الآخرة للأشقياء والسعداء ، فالألون يصلون النار التي لهم فيها شهيق وزفير ، والآخرون يمتعون بالجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين وهم فيها خالدون . الإيضاح ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ) أي إن فيما قصه اللّه من إهلاك أولئك الأمم وبيان سنته في عاقبة الظالمين ، لحجة بيّنة وعبرة ظاهرة لمن يخاف عذاب الآخرة يعتبر بها فيتقى الظلم في الدنيا على سائر ضروبه ، إذ يعلم أن من عذّب الظالمين في الدنيا قادر أن يعذبهم في الآخرة ، وأن ما حاق بهم في دار الفناء ، أنموذج لما يكون لهم في دار البقاء . والماديون في هذا العصر وفي عصور سابقة كما حكاه البيضاوي عن بعض أهل عصره يقولون : إن الطوفان والصاعقة وخسف الأرض كل أولئك قد حدث بأسباب طبيعية لا بإرادة اللّه واختياره لتربية الأمم - ويكفى في الرد عليهم أن يقال : إن حدوث هذه الأشياء وغيرها بالأسباب الموافقة لسنن اللّه في نظام العالم هو المراد بالقضاء والقدر في القرآن الكريم ، واللّه تعالى أحدث هذه الأسباب في أوقات معينة بحكمته لعقاب تلك الأمم بها ، ولم تكن من قبيل المصادفات . والدليل على ذلك أن أولئك الرسل أنذروا أقوامهم بحدوثها قبل أن لم تكن ، ومنهم من ذكر وقتها على سبيل التعيين والتحديد ، وهكذا يفعل اللّه بالظالمين في كل