أحمد مصطفى المراغي
82
تفسير المراغي
عليك في هذا القرآن ، لتتلوه على الناس ويتلوه المؤمنون آناء الليل وأطراف النهار إنذارا وتبليغا عنا . ( مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ ) أي من تلك القرى ما بقيت آثارها ماثلة كالزرع القائم في الأرض كقوم صالح ، ومنها ما عفت ودرست آثارها كالزرع المحصود الذي لم يبق منه بقية في الأرض كقرى قوم لوط . ( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) أي وما كان إهلاكهم بغير جرم استحقوا به الهلاك ، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم وإفسادهم في الأرض وإصرارهم على ذلك حتى لم يبق فيهم استعداد لقبول الحق ، ولو بقوا زمانا ما ازدادوا إلا ظلما وفجورا وفسادا في الأرض كما قال نوح عليه السلام : « إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » وقد بالغ رسلهم في وعظهم وإرشادهم فما زادهم ذلك إلا عتوّا واستكبارا ، وأنذروهم بالنّذر فما زادهم ذلك إلا إصرارا وعنادا ، ثقة منهم بأن آلهتهم تدفع عنهم كل مخوف . وتبعد عنهم كل محذور ، جهلا منهم بما كانوا يعملون ، ومن ثم قال : ( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) أي فما نفعتهم ولا دفعت بأس اللّه عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون اللّه ويطلبون منها أن تدفع عنهم الضر بنفسها أو بشفاعتها عنده - لما جاء عذاب ربك تصديقا لما أنذرهم به رسله . ( وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) يقال تبّبه تتبيبا : أهلكه ، وتبّ فلان وتبت يده : خسر أو هلك ، وتبّا لفلان : دعاء عليه بالهلاك ، أي وما زادوهم إلا هلاكا وتدميرا ، إذ أنهم باتكالهم عليهم ازدادوا كفرا وإصرارا على الظلم والفساد ، ظنا منهم أنهم ينتقمون لهم من الرسل كما حكى اللّه تعالى عن بعضهم قوله : « إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ » .