أحمد مصطفى المراغي
8
تفسير المراغي
قنط من روح اللّه وكفر بها ، وإذا أذاقه نعمة بعد بؤس بطر وفخر - هكذا شأن الإنسان - إلا من صبر وشكر وعمل صالحا . الإيضاح ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ) أي ولئن أعطينا الإنسان نوعا من أنواع النعم كرخاء عيش وبسطة رزق وصحة وأمن وولد بارّ ، رحمة مبتدأة منا أذقناه لذاتها فكان شديد الاغتباط بها ، ثم سلبنا ذلك بما يحدث من الأسباب التي قدرها اللّه في الخليقة كالمرض والموت والعسر ، إنه ليظل في هذه الحال شديد اليأس من الرحمة ، قاطعا للرجاء من عود تلك النعمة ، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها فضلا عما سلف منها . والخلاصة - إنه يجمع بين اليأس بعودة ما نزع منه والكفر بما بقي له ، لحرمانه من فضيلتى الصبر والشكر . ( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) أي ولئن كشفنا عنه الضراء التي أصابته وحل محلها نعماء ، كشفاء من مرض ، وزيادة قوة ، وخروج من عسر إلى يسر ، ونجاة من خوف وذل ، إنه ليقولن : ذهب ما كان يسوءنى من المصائب والضراء ولن يعود ، وما هي إلا سحابة صيف قد تقشّعت ، وعلىّ أن أنساها وأتمتع بتلك اللذات ، وإنه حينئذ لشديد الفرح بما يهيجه البطر بتلك النعمة ، وإنه ليغالى في الفخر والتعالي على الناس والاحتقار لمن دونه فيها . والخلاصة - أنا إذا منحنا هذا الإنسان اليئوس الكفور نعماء أذقناه لذتها بعد ضراء مسته باقترافه أسبابها لم يقابلها بشكر اللّه عليها ، بل يبطر ويفخر على الناس ولا يقوم بما يجب عليه من مواساة البائسين الفقراء وعمل الخير لبنى الإنسان كفاء ما هو متمتع به من تلك النعم . ثم استثنى سبحانه من جنس الإنسان فيما ذكر من حاليه السالفتين قبل الصابرين الذين يعملون الصالحات فقال :