أحمد مصطفى المراغي
61
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن ذكر عز اسمه بعض ما جرى بين إبراهيم والملائكة ، وصل به بعضا آخر كالتتمة له . الإيضاح ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) أي فلما سرّى عن إبراهيم وانكشف له ما أوجس منه الخيفة ، إذ علم أن هؤلاء الرسل من ملائكة العذاب ، وجاءته البشرى بالولد واتصال النسل أخذ يجادل رسلنا فيما أرسلناهم به من عقاب قوم لوط ( وجعلت مجادلتهم مجادلة للّه لأنها مجادلة في تنفيذ أمره ) وهذه المجادلة قد فصلت في سورة العنكبوت فجاء فيها : « وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ . قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ » . كما جاءت هذه المجادلة في الفصل الثامن عشر من سفر التكوين من التوراة ففيه : ( إن الرب ظهر لإبراهيم وهو جالس في باب الخيمة ، فظهر له ثلاثة رجال فاستضافهم وأتى لهم بعجل وخبز ملّة فأكلوا وبشروه بالولد ، فسمعت امرأته سارة فضحكت وتعجبت لكبرها وانقطاع عادة النساء عنها فقال الرب لإبراهيم لما ذا ضحكت سارة ، هل يستحيل على الرب شئ ؟ . . . وانصرف الرجال ( أي الملائكة ) من هناك وذهبوا نحو سدوم ( قرية قوم لوط ) وإبراهيم لم يزل قائما أمام الرب فتقدم إبراهيم وقال : أفتهلك البارّ مع الأثيم ؟ عسى أن يكون هناك خمسون بارا في المدينة ، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارا الذين فيه ؟ فقال الرب إن وجدت في سدوم خمسين بارا فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم ، ثم كلمه إبراهيم مثل هذا في خمسة وأربعين ثم في أربعين ثم في ثلاثين ثم في عشرين ثم في عشرة ، والرب يعده في كل من هذه