أحمد مصطفى المراغي
59
تفسير المراغي
وجاء في سورة الذاريات : « فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ . فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ » وفي هذا دليل على أنه كان مشويّا معدا لمن يجئ من الضيوف ، وربما كان قد شوى عند وصولهم بلا إبطاء ولا تريث . ( فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) أي فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تمتد إلى الطعام الذي قدم إليهم نكر ذلك منهم ووجده على غير ما يعهد من الضيوف ( فالعادة قد جرت أن الضيف إذا لم يطعم مما قدّم إليه ظنّ أنه لم يجئ بخير وأنه يحدّث نفسه بشر ) وأحس في نفسه خوفا وفزعا ، حين شعر أنهم ليسوا بشرا وربما كانوا من ملائكة العذاب . ( قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ) أي قالوا له حين علموا ما يساور قلبه من الخوف : لا تخف ، فنحن لا نريد بك سوءا ، وإنما أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم ، وكانت ديارهم قريبة من دياره ، وجاء في سورة الحجر أنه صارحهم بالخوف فطمأنوه وبشروه بغلام عليم ، وكذا في سورة الذاريات . ( وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ) أي وكانت امرأة إبراهيم واقفة للخدمة فضحكت سرورا بالأمن من الخوف ، أو لقرب عذاب قوم لوط لكراهتها لسيرتهم الخبيثة . ( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) أي فبشرناها بالتبع لبشارة إبراهيم بإسحاق ، ومن بعد إسحاق يعقوب أي إنه سيكون لإسحاق ولد أيضا كما قال تعالى : « وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ » * : ( قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) أي قالت سارّة لما بشرت بإسحاق : كيف ألد وقد بلغت السن التي لا يلد من كان قد بلغها من الرجال والنساء ، وهذا زوجي شيخا كبيرا لا يولد لمثله ، إن هذا الذي بشرتمونا به لشئ عجيب مخالف لسنن اللّه التي سلكها في عباده . وقد جاء في سفر التكوين ( إن إبراهيم كان عمره يومئذ مائة سنة ، وإن زوجه