أحمد مصطفى المراغي

29

تفسير المراغي

أتصرّف فيها بغير وسائل الأسباب المسحرة لسائر الناس ، فأنفق على نفسي وعلى من تبعني بالتصرف فيها بخوارق العادات ، بل أنا وغيرى في الكسب سواء ، إذ ذلك ليس من موضوع الرسالة ولا من خصائص النبي ، ولو كان كذلك لا تبع الناس الرسل لأجلها . بل الغاية من بعث الرسل تزكية الأنفس بمعرفة اللّه وعبادته ، وتأهيلها لمثوبته في دار كرامته ، ورضاه عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون . ( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) فلا أمتاز عن سائر البشر بعلم ما لا يصل إليه علمهم الكسبي من مصالحهم ومنافعهم ومضارهم في معايشهم وكسبهم ، فأخبر بها أتباعى ليفضلوا عليكم ، ومن ثم أمر اللّه نبيه أن يقول لقومه : « قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ » ( وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ) من الملائكة أرسلت إليكم فأكون كاذبا فيما أدعى ، بل أنا بشر مثلكم أمرت بدعائكم إلى اللّه وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم . وفي هذا دحض لشبهتهم ، إذ زعموا أن الرسول من اللّه إلى البشر يجب أن يفضلهم ويمتاز عنهم ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يكون ملكا يعلم ما لا يعلمه البشر ، ويقدر على ما لا يقدر عليه البشر . ( وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً ) أي ولا أقول للذين اتبعوني وآمنوا باللّه وحده ، وأنتم تنظرون إليهم نظرة استصغار واحتقار فتزدريهم أعينكم لفقرهم ورثاثة حالهم : لن يؤتيهم اللّه خيرا وهو ما وعدوه على الأيمان والهدى من سعادة الدنيا والآخرة . ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ ) أي اللّه أعلم بما في صدورهم وبما آتاهم من الإيمان على بصيرة ، ومن اتباع رسوله بإخلاص وصدق سريرة ، لا كما زعمتم من اتباعهم إياي بادي الرأي بلا بصيرة ولا علم . ( إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) أي إني إذا قضيت على سرائرهم بخلاف ما أبدته لي ألسنتهم على غير علم منى بما في نفوسهم أكون ظالما لهم بهضم حقوقهم .