أحمد مصطفى المراغي
150
تفسير المراغي
اركعوا واسجدوا ، وإليه وحده توجهوا حنفاء غير مشركين به شيئا من ملك من الملائكة ولا ملك من الملوك الحاكمين ، ولا شمس ولا قمر ولا نجم ولا شجر ، ولا حيوان كالعجل أبيس لدى المصريين . فالمؤمن الصادق الإيمان لا يذل ولا يخزى لأحد غير اللّه مما خلق ، بدعاء ولا استغاثة ولا طلب فرج من ضيق ، لإيمانه بأنه هو الرب المدبر لكل شئ ، وأن كل ما سواه فهو خاضع لسلطانه ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره غير ما أعطاه من القوى ، فإليه وحده الملجأ في كل ما يعجز عنه الإنسان أو يجهله من الأسباب ، وإليه المصير في الجزاء على الأعمال يوم يقوم الحساب . ( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أي إن تخصيصه بالعبادة هو الدين الحق الذي لا عوج فيه ، والذي دعا إليه جميع الرسل ، ودلّت عليه براهين العقل والنقل . ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أن ذلك هو الدين الحق الذي لا اعوجاج فيه ، لا ما ساروا عليه تبعا لآبائهم الوثنيين من الاعتقاد بأرباب متفرقين . وقد خفيت هذه الحقيقة على كثير ممن يدعون اتباع القرآن ، فتراهم يتوجهون إلى غير اللّه من الأولياء والصلحاء إذا مسهم الضر ، ويدعونهم خاشعين متذللين ، ويسمونهم شفعاء ووسائل عند اللّه ، وما هذا إلا مثل فعل من قبلهم من المشركين ، فليس لهم من صفات الربوبية أدنى حظ ، ولا من صفات الألوهية أقل نصيب . وبعد أن بين لهما الحق في مسألة التوحيد وعبادة اللّه وحده شرع في إنبائهما عما استنبئاه عنه فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 41 إلى 42 ] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 )