أحمد مصطفى المراغي

138

تفسير المراغي

جماعة قليلة من بيوتات كبار الدولة يعهد منهن في العرف أن يأتمرون ويتفقن على الاشتراك في مثل هذا المكر ، إذ نساء البيوت الدنيا أو الوسطى لا تتجه أنظارهن إلى الإنكار على امرأة العزيز كبير وزراء الدولة ، ولا إلى مشاركتها في سلب عشيقها ولا إلى التمتع بجماله الساحر ، وحادث مثل هذا جدير بأن ينتقل من بيت إلى بيت بوساطة الخدم ، ويكون الشغل الشاغل للنساء في مجالسهن الخاصة وسمرهن في البيوت ، وخلاصته : ( امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ) وهذا كلام يقال للإنكار والتعجب من حصوله لوجوه عدة : ( 1 ) إنها امرأة العزيز الأكبر في الدولة ، ولها المنزلة السامية بين نساء العظماء . ( 2 ) إن الذي تراوده عن نفسه هو فتاها ورقيقها . ( 3 ) إنها قد بلغ بها الأمر أن جادت بعفتها فكانت هي المراودة والطالبة لا المراودة المطلوبة . ( 4 ) إنها وقد شاع ذكرها في المدينة لم ينثن عزمها عما تريد ، بل لا تزال مجدّة في نيل مرغوبها ، والحصول على مطلوبها ، كما يفيد ذلك قولهن ( تُراوِدُ ) وهو فعل يدل على الاستمرار في الطلب . ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم : ( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) أي قد شق حبّه شغاف قلبها أي غلافه المحيط به وغاص في سويدائه ، فملك عليها أمرها ، فلا تبالي بما يكون من عاقبة تهتكها ، ولا بما يصير إليه حالها . ثم زادوا ذلك تأكيدا بقولهم : ( إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي إنا لنعلم أنها غائصة في مهاوى الضلالة البينة البعيدة عن طريق الهدى والرشاد ، ولم يكن قولهن هذا إنكارا للمنكر ، ولا كرها للرذيلة ، ولا نصرا للفضيلة ، بل قلنه مكرا وحيلة ، ليصل الحديث إليها ، فيحملها ذلك