أحمد مصطفى المراغي

139

تفسير المراغي

على دعوتهن ، والرؤية بأبصارهن ما يكون فيه معذرة لها فيما فعلت . وذلك منهن مكر لا رأى ، وقد وصلن إلى ما أردن كما قال تعالى : ( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ) أي فلما سمعت مقالتهن التي يردن بها إغضابها حتى تريهن يوسف إبداء لمعذرتها فينلن ما يبغين من رؤيته ، وقد كان من المتوقع أن تسمع ذلك ، لما اعتيد بين الخدم من التواصل والتزاور ، وهن ما قلنه إلا لتسمعه ، فإن لم يتم لهن ما أردن احتلن في إيصاله ، وقد كان ما أردن كما قال : ( أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) أي مكرت بهن كما مكرن بها ، ودعتهن إلى الطعام في دارها ، وهيأت لهن ما يتكئن عليه من كراسي وأرائك كما هو المعروف في بيوت العظماء ، وكان ذلك في حجرة المائدة ، وأعطت كل واحدة منهن سكينا ، لتقطع بها ما تأكل من لحم وفاكهة . ( وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ) أي وأمرته بالخروج عليهن ، وفي هذا إيماء إلى أنه كان في حجرة في داخل حجرة المائدة التي كن فيها محجوبا عنهن ، وقد تعمدت إتماما للحيلة والمكر بهن أن يفجأهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه علما منها بما يكون لهذه المفاجأة من الدهشة ، وقد تم لها ما أرادت كما يشير إلى ذلك قوله : ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) أي فخرج عليهن فلما رأينه أعظمنه ودهشن لذلك الجمال البارع وذهلن فقطّعن أيديهن بدلا من تقطيع ما يأكلن ذهولا عما يعملن أي فجرحنها بما في أيديهن من السكاكين ، لفرط دهشتهن وخروج حركات الجوارح عن منهاج الاختيار ، حتى لم يشعرن بما عملن ، ولا ألمن لما نالهن من أذى ، واستعمال القطع بمعنى الجرح كثير في كلامهم فيقولون كنت أقطع اللحم فقطعت يدي ، يريدون فأخطأتها فجرحت يدي حتى كدت أقطعها . ( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) أي وقلن هذا على نهج التعجب والتنزيه للّه تعالى أن يكون هذا الشخص الذي لم يعهد مثاله في جماله ولا في عفته من النوع الإنسانى ، إن هو إلا ملك تمثل في تلك الصورة البديعة التي تخلب الألباب وتدهش الأبصار .