أحمد مصطفى المراغي

132

تفسير المراغي

أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ . إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ » . ( وَاسْتَبَقَا الْبابَ ) أي تسابقا إلى الباب ففر يوسف من أمامها هاربا إليه طالبا النجاة منها مرجحا الفرار على الدفاع الذي لا تعرف عاقبته ، وتبعته هي تبغى إرجاعه حتى لا يفلت من يدها ، وهي لا تدرى إذا هو خرج إلى أين يذهب ، ولا ما ذا يقول ولا ما يفعل ؟ لكنها أدركته . ( وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ) أي جذبته من ردائه وشدت قميصه فانقدّ . ( وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) أي وجدا زوجها عند الباب ، وقد كان النساء في مصر يلقبن الزوج بالسيد ، ولم يقل سيدهما لأن استرقاق يوسف غير شرعي ، وهذا كلام ربه العليم بأمره ، لا كلام من استرقّه . ( قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) أي وحينئذ خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها ، وقالت لزوجها متنصلة من جرمها وقاذفة يوسف : ما جزاء من أراد بأهلك شيئا يسوؤك صغيرا كان أو كبيرا إلا سجن يعاقب به ، أو عذاب مؤلم موجع يؤد به ويلزمه الطاعة . قال الرازي : وفي هذا القول ضروب من الحيل . ( 1 ) إيهام زوجها أن يوسف قد اعتدى عليها بما يسوءها ويسوءه . ( 2 ) إنها لم تصرح بجرمه حتى لا يشتد غضبه ويقسو في عقابه . كأن يبيعه أو يقصيه عن الدار ، وذلك غير ما تريد . ( 3 ) إنها هددت يوسف وأنذرته بما يعلم منه أن أمره بيدها ليخضع لها ويطيعها . ( 4 ) إنها قالت . إلا أن يسجن والمراد منه أن يسجن يوما أو أقل على سبيل التخويف فحسب ، أما الحبس الدائم فكان يقال فيه : ( يجب أن يجعل من المسجونين ) ألا ترى أن فرعون حين هدد موسى قال ( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) .