أحمد مصطفى المراغي

133

تفسير المراغي

وجملة القول في هذا - أن يوسف عليه السلام كان قوى الإرادة لا يمكّن غيره أن يحتال عليه ويصرفه عن رأيه ويجعله خاضعا له ، ومن ثم لم تستطع امرأة العزيز أن تحوّل إرادته إلى ما تريد بمراودتها ، ولا عجب في ذلك فهو في وراثته الفطرية والمكتسبة ومقام النبوة عن آبائه الأكرمين ، وما اختصه به ربه من تربيته والعناية به ؛ وما شهد له به من العرفان والإحسان والاصطفاء ، وما صرف عنه من دواعي السوء والفحشاء - في مكان مكين وحرز حصين من أن تتطلع نفسه إلى اجتراح السيئات ، وارتكاب المنكرات ، فكل ما صوّروه به من الصور البشعة الدالة على الميل إلى الفجور إنما هو من فعل زنادقة اليهود ، ليلبسوا على المسلمين دينهم ، ويشوّهوا به تفسير كلام ربهم ولا يغرّنك إسناد تلك الروايات إلى بعض الصحابة والتابعين فهي موضوعة عليهم ، ولا ينبغي أن يعتدّ بها ، لأن نصوص الدين تنبذها ، إلى أنه من علم الغيب في قصة لم يعلم اللّه رسوله غير ما قصه عليه في هذه السورة ، وكفى بهذا دلالة على وضعها . تحقيق زوجها وحكم قريبها وظهور براءة يوسف [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 26 إلى 29 ] قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) المعنى الجملي بعد أن ذكر في الآيات السابقة مخادعتها ليوسف عن نفسه وتغليقها الأبواب وهربه منها إلى الباب وجذبها لقميصه ورؤية سيدها لذلك الحادث واتهامها ليوسف