أحمد مصطفى المراغي

120

تفسير المراغي

المعنى الجملي هذا بيان جئ به لبيان ما كادوا به أباهم بعد أن ائتمروا بيوسف ليرسله معهم ، وفيه إيماء إلى أنه كان يخافهم عليه ، ولولا ذلك ما قال لهم تلك المقالة التي أظهروا فيها أنهم في غاية المحبة والشفقة له . الإيضاح ( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ) أي قالوا له : لم تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به ونخلص النصح له ؟ وكانوا قد شعروا منه بهذا بعد ما كان من رؤيا يوسف ، وربما علموا بهذا منه . ( أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) أي أرسله معنا غداة غد حين نخرج كعادتنا إلى المرعى في الصحراء يشاركنا في الرياضة والأنس والسرور وأكل الفواكه والبقول وغيرهما مما يطيب ، وقد كان أكثر لعب أهل البادية السباق والصراع والرمي بالعصى والسهام إن وجدت ، وإنا لحافظوه من كل أذى يصيبه . ( قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ) أي قال مجيبا لهم : إني ليحزنني ويقض على مضجعى أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء خيفة أن يأكله الذئب وأنتم لا تشعرون به ، لاشتغالكم عن مراقبته وحفظه بلعبكم ، ولعله لو لم يذكر هذا لهم لما خطر ببالهم أن يقع ، ولكن شدة الحذر والاحتياط هو الذي جعله يقول ذلك . ( قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ) أي قالوا له واللّه لئن اختطفه منا الذئب في الصحراء ونحن جماعة شديدة البأس تكفى بنا الخطوب وتدفع مهمات الأمور - إنا إذا لهالكون ولا غناء عندنا ولا نفع ولا ينبغي أن يعتدّ بنا ويركن إلينا .